لماذا نقول لا لوهب الاعضاء، في حين اننا نعي ان قلوبنا ستصمت في احشائنا يوماً ما لتنبض ربما في اجسادٍ اخرى ارهقها المرض؟ هل نرفض ان نبعث النور في عيون مكفوفين حُرموا نعمة البصر بوهبهم عيوننا بعد وفاتنا؟ ألسنا على يقين ان وهب كلية او كبد او امعاء او رئة سيعيد طفلاً الى حضن أمه، وأباً الى كنف عائلته، وشباباً الى ربيع عمر انهكته الآلام المبرحة؟ في ظل عدم وجود عائق ديني او قانوني يمنع وهب الاعضاء والانسجة البشرية، ماذا ننتظر؟
تجمع الشرائع الدينية على ان الانسان هو المسؤول الاول عن حياته امام نفسه وامام الله الذي اودعه الحياة. وبناء عليه هو ملزم صون جسده والعناية بصحته والابتعاد عن كل ما قد يتنافى والكرامة الانسانية او القيم الاخلاقية. ومهما طال عمر الانسان او قصر، يبقى الموت مصيره المحتم، ولكن بفضل التقنيات العلمية والطبية يمكن ان يحوّل الموت وفناء الجسد ولادة جديدة.
اذاً، وهب الاعضاء، وكما تدل تسميته، عملية نقل عضو او أكثر من متبرع حي او ميت الى مستقبِل ليقوم مقام العضو الذي يعاني قصوراً يعوق وظيفته، علماً ان هذه المسألة لا تزال محاطة بهالة من اللبس والغموض في اوساط العامة باعتبار انها لا ترتبط فقط بالنواحي الطبية والعلمية، انما تتعداها لتتصل مباشرة بالدين والفلسفة والقانون.
وفي حين يحظى موضوع وهب الاعضاء باهتمام بالغ محلياً وعالمياً، تبرز في الواجهة مشكلة حقيقية تكمن في التفاوت الملحوظ ما بين العرض والطلب على الاعضاء الموهوبة. وتعتبر هذه الازمة وليدة تضافر اسباب وعوامل عديدة، في مقدمها نقص الاعضاء البشرية والاخفاق في المحافظة عليها والتأخير في الحصول على موافقة استئصالها ووهبها.
عمدت منظمة الصحة العالمية الى تنظيم عمليات وهب الاعضاء البشرية وزرعها عبر سلسلة من التوجيهات التي تصب جميعها في اطار المحافظة على صحة الواهب الحي والمريض المستقبل للعضو، وتحديد المسؤوليات للحؤول دون خضوع هذه المبادرة السامية لاعتبارات مادية او مآرب شخصية تنتقص من قيمتها الانسانية. وابرز المبادئ التي ارستها المنظمة عام 1999 كانت جواز استئصال العضو المطلوب من جسد الشخص المتوفى وزرعه في جسد المريض في حال توافرت الشروط الصحية والقانونية المنصوص عليها، فضلاً عن التأكّد من موافقة المتبرع على وهب اعضائه، بعيداً من اي ضغط عائلي او احراج او استغلال. كما حذرت منظمة الصحة العالمية من جعل عملية وهب اعضاء الانسان، سواء الحي او المتوفى، محلاً للمعاملات التجارية والمالية الذي من شأنه ان يضرب بالاخلاق المهنية والقيم الانسانية عرض الحائط.
لمحة تاريخية
شهد لبنان أولى عمليات زرع اعضاء من اقارب عام 1972 في مستشفى البربير. وبعد مرور ما يقارب احد عشر عاماً، وفي ظل سلسلة من الجهود المتواصلة لعدد من رجال السياسة والقانون، صدر المرسوم الاشتراعي الرقم 109 في ايلول 1983، وتبعه مرسوم آخر يحمل الرقم 1442 في كانون الثاني 1984، لتنظيم استئصال الاعضاء البشرية لحاجات طبية، فضلاً عن تحديد الشروط التي تؤهل مراكز زرع الاعضاء للقيام بعمليات كهذه.
وبين عامي 1985 و2004 توالى افتتاح العديد من مراكز زرع الاعضاء في مستشفيات لبنانية عدة، بداية في مستشفى رزق ومستشفى اوتيل ديو، فمستشفى الجامعة الاميركية، ثم مستشفى القديس جاورجيوس، وبعدها مستشفى حمود، واخيراً في المستشفى الاسلامي في طرابلس. ويذكر ان العملية الاولى لزرع كلية من واهب متوفٍ تمت عام 1990، تلتها عملية زرع كبد عام 1997، فالعملية الاولى لزرع قلب عام 1998.
وهب الاعضاء قانوناً
ميّز القانون اللبناني بين زرع الاعضاء من متبرع حي وواهب متوفٍ، محدداً الشروط الواجب توافرها في الحالتين لتجوز عملية وهب العضو وزرعه بما يتطابق والاحكام الشرعية. ففي الحالة الاولى، اي ان كان المتبرع حياً، يُسمح باستئصال الانسجة والاعضاء من جسمه، شرط ان يكون راشداً اتم الثامنة عشرة من عمره، متمتعاً بصحة جيدة تخوله اجراء عملية جراحية من دون ان يعرضه ذلك لاي خطر او اعراض جانبية؛ على ان تكون هذه الهبة مجانية وغير مشروطة.
اما في ما يخص وهب الاعضاء بعد الموت، فيجب ان يكون المتوفى اوصى بذلك بموجب وصية او وثيقة خطية. عندها تتم عملية الوهب بعد الحصول على الموافقة الخطية من عائلة المتبرع الميت، كما تُشترط في عمليات كهذه موافقة المستفيد من العملية خطياً. من ناحية اخرى، لا يجوز المساس بجثة متوفٍ واخذ اعضاء او انسجة منها الا بإذن قضائي اذا وضعت هذه الجثة موضع التحقيق.
وهب الاعضاء في الاسلام
دينياً، يبقى الجدل حول مسألة وهب الاعضاء سيد الموقف، إذ يقع كثر في فخ مغالطات وادعاءات من شأنها ان تثير لغطاً كبيراً في هذا الموضوع، مما قد يدفع البعض الى الاعتقاد ان وهب الاعضاء والانسجة البشرية لا يتوافق والشرائع السموية. لكن هذه الفكرة لا تعبّر حقيقة عن واقع الحال: فوهب الاعضاء، سواء من حي الى حي او من متوفٍ الى حي، ببعده الانساني الاخلاقي هو عمل نبيل، وجائز في الاسلام شرط الا يترتب على ذلك ضرر بالغ بالواهب او خطورة على وظائف جسمه الحيوية، بحيث يفوق الخطر اللاحق بالمتبرع النفع المرجو للموهوب له. ووفق احكام الشريعة الاسلامية ان وهب الاعضاء بعد الوفاة يجوز في حال كان المتوفى اوصى بذلك بموجب وصية خطية او شفهية تسمح باستئصال اعضائه عندما يثبت طبياً حصول الموت الدماغي؛ اذ تصبح حياة الانسان هي حياة الخلية لا الشخص، وعندها لا مانع شرعياً من فصل الفرد عن كل ما يوصله بالحياة من اجهزة طبية وتنفسية.
وانطلاقاً من كون الشرع الدرزي جزءاً لا يتجزأ من الشرع الاسلامي، فان رأي طائفة الموحدين الدروز في وهب الاعضاء ليس مغايراً لرأي الدين الاسلامي. واستيضاحاً لهذا الموقف اكد الدكتور سامي مكارم، استاذ مادة الاسلاميات في الجامعة الاميركية، ان “العقيدة التوحيدية ليست في صدد التناقض مع العلم، بل على العكس هي ترحّب بكل انجاز طبي يساهم في تخفيف آلام الانسان وانقاذ حياته. وعليه، فهي لا تمانع في وهب الاعضاء البشرية، طالما ان عملية الوهب تتم بملء ارادة الواهب وبعيداً من اي بدل مادي او اذى محتمَل”.
يضيف: “عندما يتحقق الموت الدماغي وفق تشخيص طبي دقيق لا تخميني، يغدو المريض بحكم المتوفى، فيصبح وهب الاعضاء جائزاً لانه، ومن الناحية التوحيدية، ان مفارقة الحياة تُفقد جسد الانسان قيمته. ولكن في يومنا هذا بات ممكناً، بفضل تقنيات الطب الحديث، اعادة هذه القيمة للجسم البشري الفاني من طريق وهب اعضائه لكل من يحتاج اليها بغض النظر عن دينه او عرقه او لونه”.
وفي سياق ذي صلة، يشدد مكارم على ان الانسان هو مالك لجسده، وبالتالي يحق له في ان يوصي باعضائه كما يوصي بماله لمن يشاء، شرط ان يكون الموصى له اهلاً لذلك. ووفق مكارم ان الفضيلة تتحقق بالغاية من الايصاء، اذ يجب ان يكون هذا العطاء المحمود لوجه الله فعلاً لا لوجه الانا الكامنة في الانسان، مما يعني انه لا يجوز بتاتاً للفرد ان يهب اعضاءه لمن سيسيء استخدامها او سيستعملها لاقتراف الذنوب، والا اصبح الواهب مشاركاً في الرذيلة المقترفة.
ماذا عن المسيحية؟
يقول الراهب الماروني المريمي عبدو سليمان ان وهب الاعضاء والانسجة البشرية يشكل مادة دسمة يُثار حولها النقاش منذ سنوات طويلة، كسواها من القضايا ذات الابعاد الدينية والفلسفية. وهو اذ يؤكد، انطلاقاً من التعاليم المسيحية، ان الانسان كائن مقدس مخلوق على صورة الله، يرفض التعامل معه كسائر الكائنات الحيّة، لما في ذلك من تناقض واضح مع كرامة البشر ومحبة الله الحيّ.
ويردف قائلاً: “ان وهب الاعضاء بالمجمل مقبول من الكنيسة، اذا كانت الاخطار الطبيعية والنفسية الحاصلة للمعطي تتناسب والخير المطلوب للمستفيد. وفعل الوهب في ذاته يشكل علامة تضامن سخيّ تُدرج في خانة المحبة والمشاركة والعطاء، الا ان هذه الهبة تكون مرفوضة اخلاقياً ودينياً في حال كان الواهب غير راضٍ كل الرضى، او اذا تسببت بموت او تشويه المتبرع، حتى ولو كان ذلك في سبيل انقاذ حياة شخص آخر شارف الموت. مع الاشارة الى وجوب معاملة اجساد الموتى باحترام ومحبة وعناية”.
وبخلاف موقف الاسلام، فان المسيحية تجيز وهب الاعضاء فقط عند حدوث الموت الكلي لا الدماغي، اي عندما يتوقف القلب عن النبض مما يشير الى ان الانسان فارق الحياة فعلاً. في هذا المضمار يقول سليمان: “ان ما يسمى “الاوتنازيا” او الميتة الميسرة، مهما كانت اسبابها ودوافعها، تضع حداً لحياة المريض، وتالياً هي ليست سوى قتل مقصود يتعارض صراحة مع كرامة الشخص البشري والشريعة الاخلاقية، حتى ولو كان فعل القتل هذا نابعاً من نية حسنة تهدف الى انهاء معاناة المريض وآلامه”.
وخلص سليمان الى ان الجسد هو هبة موقتة من الله لا ملك خاص، وتكامل البشرية، كما كمال النضج الانساني، يتجسدان في العطاء الكلي والمجاني وغير المشروط للآخر.
طبيا
“وهب الاعضاء هو معجزة حقيقية بكل معنى الكلمة لمساهمته في رسم بداية جديدة لمرضى فقدوا كل امل بالحياة”. بهذه الكلمات يستهل الجراح وليد فرج كلامه، مشيراً الى ان الازمة الفعلية حيال هذه المسألة تكمن في نقص عدد المتبرعين، في ظل ارتفاع لافت في عدد المرضى على لوائح الانتظار، والذين مع مرور كل يوم تتقلص فرصهم بالشفاء. يشرف الدكتور فرج حالياً على علاج ما يقارب 25 مريضاً ينتظرون واهبين لإجراء عمليات جراحية لزرع اعضاء بديلة من اعضائهم المصابة بقصور وضعف.
الدكتور فرج، الذي شارك في ما يزيد عن 300 عملية استئصال اعضاء من متبرعين احياء واموات، يشرح تفصيلاً الاعضاء الممكن وهبها فضلاً عن شروط الوهب وموانعه، فيقول: “يمكن الواهب الحيّ (من18 الى 65 سنة) ان يتبرع بعضو من اعضائه المزدوجة، اي كلية واحدة، رئة واحدة، نصف كبد، ونصف بنكرياس، اضافة الى النخاع العظمي. في حين يمكن الواهب المتوفى (من 4 الى 65 سنة) ان يهب قلباً، كليتين، بنكرياساً، قرنيتين، عينين، اوعية دموية، صمامات، جلداً، امعاء، وعظاماً، على ان يمنع الوهب في حال كان المتبرع مصاباً بالامراض السارية، مثال الايدز والصفيرة او بمرض السرطان او باحد الامراض المزمنة، كالضغط او السكري”.
ويستطرد موضحاً ان جسد الواهب المتوفى يُعامَل بفائق الاحترام والعناية، سواء لجهة الاعضاء التي يتم استئصالها او لجهة الشكل الخارجي للفرد، خلافاً لكل الشائعات السائدة في المجتمع عن تشويه او اساءة للجثة.
وفي ما يخص تكلفة عمليات الوهب، يوضح الدكتور فرج ان وزارة الصحة اللبنانية تغطي جزءاً كبيراً من تكاليف هذه العمليات الجراحية، مع العلم ان لبنان قطع اشواطاً في هذا المجال إذ اصبحت التكلفة العامة لجراحات كهذه لا تشكل سوى ثلث التكلفة العالمية.
رفض تنفيذ الوصية
ماذا لو رفض الوصي او الشخص المنوط به تنفيذ وصية الواهب بعد الوفاة اجراء عملية وهب اعضاء المتوفى؟
غالباً ما يرفض اقارب وذوو المتوفي وهب اعضائه من منطلق عاطفتهم تجاهه، وعدم قدرتهم على استيعاب وتقبّل فكرة استئصال الاعضاء وزرعها في اجساد اناسٍ آخرين لضمان استمرارية حياتهم، في حين هم منوا بخسارة شخص عزيز عليهم. وفي حين يجمع رجال الدين في كلا الطائفتين المسيحية والاسلامية على ان عدم الالتزام بمضمون وصية المتبرع وتنفيذها حرفياً ينظر اليه كعمل غير شرعي وخارج عن ارادة الموصي، يسلط الدكتور سامي مكارم الضوء على استثناء قد يجعل مخالفة الوصية ممكنة. ففي حال اكتشف الوصيّ ان المستفيد من الوصية، وبالتالي من الاعضاء الموهوبة، ليس اهلاً لهذه العطيّة؛ عندها تصب مخالفته في اطار تجنب الخطأ الاكبر من طريق اقتراف خطأ اصغر.
اما الجسم الطبي، فيمتنع من ناحيته عن اجراء عملية استئصال للاعضاء من الواهب المتوفى ان رفض ذووه ذلك، حتى لو توافرت الوصية التي تسمح قانونياً ودينياً بالوهب، على حد اعتبار الدكتور وليد فرج.
مع كل ذلك، وفي ظل ترحيب الاديان والقوانين بوهب الاعضاء، تبقى هذه المسألة رغبة نابعة من ذات الانسان وخياراً فردياً مرهوناً بالاقتناع الشخصي ليس الا. وفي نهاية المطاف… القرار لكم.
الوهب: شروطه وموانعه
1- الواهب الحي: يجب ان يكون راشدا (بين21 و65 سنة) ويتمتع بصحة جيدة تخوله الخضوع لهذه العملية من دون مضاعفات.
2- الواهب المتوفى: يكون قد وقّع في حياته بطاقة تبرّع بالأعضاء والأنسجة أو اتخذ ذووه القرار بالوهب عند وفاته.
3- سن الواهب: للأعضاء (4-65 سنة): لا وجود لسن محددة بالنسبة للأنسجة.
4- موانع الوهب هي:
السرطان (ما عدا سرطان الدماغ والجلد غير المنتشر(
سرطان الدم والسرطان اللمفاوي المنتشر (للقرنية فقط(
الأمراض السارية: (الصفيرة، السيدا(
داء السكري، الضغظ المزمن وتجاوز سن الـ 65 (للأعضاء فقط(
